ابن أبي الحديد

326

شرح نهج البلاغة

وإلى هذا المعنى أشار عمرو بقوله لابنه : تركت أفضل من ذلك ، شهادة أن لا إله إلا الله . * * * فأما ما كان يقوله عمرو بن العاص في علي عليه السلام لأهل الشام : ( إن فيه دعابة ) ، يروم أن يعيبه بذلك عندهم ، فأصل ذلك كلمة قالها عمر فتلقفها ، حتى جعلها أعداؤه عيبا له وطعنا عليه . قال أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب في كتاب الأمالي : كان عبد الله بن عباس عند عمر ، فتنفس عمر نفسا عاليا ، قال ابن عباس : حتى ظننت أن أضلاعه قد انفرجت ، فقلت له : ما أخرج هذا النفس منك يا أمير المؤمنين إلا هم شديد . قال : أي والله يا بن عباس ، إني فكرت فلم أدر فيمن أجعل هذا الامر بعدي . ثم قال : لعلك ترى صاحبك لها أهلا ؟ قلت : وما يمنعه من ذلك مع جهاده وسابقته وقرابته وعلمه ! قال : صدقت ، ولكنه امرؤ فيه دعابة ، قلت : فأين أنت من طلحة ؟ قال : هو ذو لبأو ( 1 ) بإصبعه المقطوعة . قلت : فعبد الرحمن ؟ قال : رجل ضعيف لو صار الامر إليه لوضع خاتمه في يد امرأته . قلت : فالزبير ؟ قال شكس لقس ( 2 ) ، ويلاطم في البقيع في صاع من بر . قلت : فسعد بن أبي وقاص ؟ صاحب مقنب ( 3 ) وسلاح ، قلت : فعثمان ، قال : أوه أوه ، مرارا . ثم قال : والله لئن وليها ليحملن بنى أبى معيط على رقاب الناس ، ثم لتنهضن إليه العرب فتقبله . ثم قال : يا بن عباس ، إنه لا يصلح لهذا الامر إلا حصيف العقدة ، قليل الغرة ، لا تأخذه في الله لومة لائم . يكون شديدا من غير عنف ، لينا من

--> ( 1 ) البأو : الكبر والفخر ، وفى اللسان : روى الفقهاء : ( في طلحة بأواء ) . ( 2 ) الشكس : الصعب الخلق ، واللقس العسر . ( 3 ) المقنب : جماعة الخيل .